الشيخ محمد رشيد رضا

383

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

منه‌لا تقدرون أن تخدموا الله والمال 25 لذلك أقول لكم لا تهتموا لحياتكم الخ وفي 10 : 9 منه لا تقتنوا ذهبا ولا فضة - ماذا جرى لها في دينها حتى صارت أبرع الخلق في فنون الثروة والاقتصاد وأبعدها عن الاسراف والتبذير وسادت بالغنى والثروة على جميع أمم الأرض ؟ ؟ ألا وهي أمم الافرنجة وكيف جاز أن يسمى ما نحن عليه مدنية إسلامية مع مخالفتنا للقرآن في هذا الأمر الذي هو قوام المدنية ، كما خالفه جماهيرنا في أكثر ما أرشد اليه ؟ وكيف جاز أن تسمى مدنيتهم مدنية مسيحية مع بناء تعاليم المسيح على المبالغة في الزهد وبغض المال ، كما هو صريح في هذه الاناحيل التي بين أيدي القوم يدعون اتباعها ويدعون إليها غيرهم وهم لها مخالفون ، وعنها معرضون ! ! ! أما السبب فيما نحن عليه من سوء الحال في دنيانا ومخالفة نص كتابنا فهو ظاهر معروف عند الباحثين ، وهو أننا أخذنا بالتقليد الذي حرمه اللّه علينا وتركنا هداية القرآن ونبذناها وراء ظهورنا وأخذنا في الاخلاق والآداب التي هي روح حياة الأمم بأقوال فلان وفلان من الجاهلين ، الذين لبسوا علينا بلباس الصالحين ، فنفثوا في الأمة سموم المبالغة في التزهيد والحث على انفاق جميع ما تصل اليه اليد ، وإنما كان يريد أكثرهم انفاق كسب الكاسبين عليهم وهم كسالى لا يكسبون ، لزعمهم أنهم بحب اللّه مشغولون ! وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها * أفاويق حتى ما تدر لها ثعل حتى صار من المعروف المقرر عند جميع شعوب المسلمين إدرار المال والرزق على علماء الدين ، وشيوخ الطريق « الصالحين » ، فهم يأكلون مال الأمة بدينهم ويرون أن لهم الفضل عليها بقبوله منها ، وإن قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث الصحيحين « اليد العليا خير من اليد السفلى » الأستاذ الامام : في هذه الجملة من الآية تحريض على حفظ المال وتعريف بقيمته فلا يجوز للمسلم أن يبذر أمواله . وكان السلف من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الحلال ، فأين من هذا ما نسمعه من خطباء مساجدنا من تزهيد الناس وغل أيديهم وإغرائهم بالكسل والخمول حتى صار المسلم يعدل عن